ما هو المسك؟

المسك في أصله اسم إفراز داكن شديد الرائحة يتجمع في غدة تحت بطن ذكر أيل المسك، وهو الحيوان الذي يُسمى في العربية شعبياً «غزال المسك». أما في العطور فتدل الكلمة على عائلة من الروائح الدافئة الناعمة القريبة من رائحة الجلد تستحضر هذا الإفراز، وعلى الجزيئات التي تصنعها. والمسك الذي تشمه في عطور اليوم يأتي في الغالب من المختبر لا من الحيوان: جزيء صناعي واحد، أو أكورد مبني من عدة جزيئات مسكية، أو عدد قليل من المواد النباتية. ولذلك فكلمة «مسك» في قائمة النوتات تسمّي انطباعاً عطرياً لا مادة خاماً بعينها.

وللكلمة نفسها رحلة طويلة؛ إذ يُرجعها أهل اللغة عادة إلى الفارسية «مُشك»، ومنها انتقلت عبر اليونانية واللاتينية إلى اللغات الأوروبية، وتتبعها بعض المعاجم إلى كلمة سنسكريتية تشير إلى شكل الغدة. وفي العربية بقيت الكلمة «مسكاً»، ووردت في القرآن الكريم في الآية السادسة والعشرين من سورة المطففين: «خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ». وهذه المكانة الثقافية العميقة تفسر لماذا كان المسك ولا يزال من أقرب أسماء الروائح إلى القارئ العربي.

من أين يُستخرج المسك؟

يأتي المسك من أيائل المسك من جنس Moschus. وعلى الرغم من اسمها الشائع فهي ليست غزلاناً ولا من الأيائل الحقيقية، بل تُصنَّف في فصيلة مستقلة هي Moschidae. ليس لها قرون، وللذكور نابان علويان طويلان منحنيان. ويُنتَج المسك في غدة تحيط بالعضو التناسلي للذكر، ويتجمع في كيس يُعرف بنافجة المسك أو «فأرة المسك». وكان محتوى هذا الكيس بعد تجفيفه قروناً طويلة من أثمن المواد العطرية في العالم.

وقد دفعت الحيوانات ثمناً باهظاً لهذه القيمة؛ فقد أُخذ الكيس من الأيائل البرية تاريخياً في الغالب بعد صيدها. واليوم تُصنَّف بعض أنواع أيل المسك على القائمة الحمراء للاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة ضمن فئة «مهدد بالانقراض». وتدرج اتفاقية سايتس، التي تنظم التجارة الدولية في الأحياء البرية، مجموعات أفغانستان وبوتان والهند وميانمار ونيبال وباكستان في الملحق الأول، وهو أشد قوائمها حماية، وسائر المجموعات في الملحق الثاني. وفي مزارع الصين، حيث تستمر التربية منذ مطلع الخمسينيات، يمكن أخذ المسك من حيوانات حية، لكن هذا الإنتاج يبقى صغيراً مقارنة بطلب الطب التقليدي. أما صناعة العطور فقد استبدلت إلى حد كبير بمسك الأيل الطبيعي أنواعاً صناعية من المسك.

كيف تكون رائحة المسك؟

يوصف مسك الأيل الطبيعي في صورته المركزة بأنه حاد حيواني الطابع، أما إذا خُفف كثيراً فإنه يترك أثراً دافئاً ناعماً يشبه رائحة الجلد. وتقع أنواع المسك الصناعية في مواضع مختلفة من هذا المدى؛ فبعضها يوحي بالغسيل النظيف والقطن، وبعضها بودري وحلو قليلاً، وبعضها يحمل إشراقة تشبه الكمثرى أو الزهور. ولهذا قد لا يتشابه عطران يوصفان كلاهما بأنهما «مسكيان» على الإطلاق.

ودور المسك المشترك في العطر أن يمنحه النعومة والاستمرار. فجزيئات المسك كبيرة نسبياً وتتبخر ببطء، ولذلك تُشم عادة في الطبقة السفلى من الرائحة وفي الأثر الذي يبقى على الجلد طويلاً. وقد يلطّف المسك افتتاحية حادة، أو يقرّب الأزهار من الجلد، أو يصنع وحده «رائحة جلد» تبدو شبه عديمة الرائحة لكنها تُلحظ من قرب. ويشرح نموذج هرم العطر هذه الطبقات، مع أن المسك قد يُشم في بعض التركيبات منذ الدقيقة الأولى.

الموسكون: جزيء رائحة المسك

المادة التي تحمل الرائحة المميزة للمسك الطبيعي هي الموسكون. ففي عام 1906 عزلها الكيميائي الألماني هاينريش فالباوم من نافجة المسك. وفي عام 1926 كشف الكيميائي الكرواتي الأصل ليوبولد روجيتشكا بنيتها، وبيّن أنها تحتوي على حلقة كبيرة من خمس عشرة ذرة كربون، ووصف في العام نفسه الحلقة ذات السبعة عشر عضواً في السيفيتون المأخوذ من قط الزباد. وكان اكتشاف هذه البنى ذات الحلقات الكبيرة جزءاً من الأعمال التي قادت روجيتشكا إلى نصيبه من جائزة نوبل في الكيمياء عام 1939.

وفتحت معرفة بنية الموسكون الطريق إلى صنع الرائحة نفسها دون المساس بالحيوان؛ فاليوم يمكن تخليق الموسكون وجزيئات مشابهة ذات حلقات كبيرة في المختبر. والنباتات أيضاً تصنع جزيئات قريبة منها، إذ يحتوي زيت بذور نبات Abelmoschus moschatus على لاكتون ذي حلقة كبيرة يسمى الأمبريتوليد. ويُشرح هذا المسك النباتي بالتفصيل في صفحة نوتة الأمبريت. لكن المصادر النباتية مكلفة ومحدودة كذلك، ولذلك يُنتَج معظم المسك المستعمل في العطور بالتخليق.

ما عائلات المسك الصناعي؟

ينقسم المسك الصناعي إلى أربع عائلات بحسب بنيته الكيميائية. العائلة الأولى هي المسك النيتروجيني (النيترو). فأول مسك صناعي تجاري، الذي حصل عليه ألبرت باور عام 1888، كان من هذا النوع. وقد ظل المسك النيتروجيني رخيصاً وواسع الانتشار زمناً طويلاً، ثم هُجر إلى حد كبير بسبب مخاوف تتعلق بالسلامة والبيئة. فمسك الأمبريت محظور في مستحضرات التجميل في الاتحاد الأوروبي ومن قبل IFRA، ولا يجوز استعمال مسك الزيلين في الاتحاد الأوروبي منذ 2014 إلا بترخيص بموجب لائحة REACH، ويخضع مسك الكيتون لحدود في التركيز.

العائلة الثانية هي المسك متعدد الحلقات. فقد انتشرت جزيئات مثل الغالاكسوليد والتوناليد انتشاراً واسعاً في المنظفات ومنعّمات الأقمشة والصابون، ويأتي جزء من انطباع «الغسيل النظيف» من هذا الاستعمال. ولأنها تبقى طويلاً في البيئة فقد قيست في المياه وفي الكائنات الحية. وفي الاتحاد الأوروبي أضافت اللائحة 2023/1545 الغالاكسوليد إلى المواد التي يجب ذكر اسمها على الملصق فوق عتبات معينة.

العائلة الثالثة هي المسك كبير الحلقات: كيتونات ذات حلقات كبيرة مثل الموسكون، ولاكتونات ذات حلقات كبيرة مثل الأمبريتوليد والإكسالتوليد، وهي أقرب العائلات في بنيتها إلى المسك الطبيعي. أما الرابعة فهي المسك الأليسيكلي الذي يجمع بين أجزاء حلقية وأخرى خطية، وقد ظهر أول مثال تجاري منه في السوق عام 1990. وكثيراً ما يُبنى «أكورد المسك» الحديث بجمع عدة جزيئات من هذه العائلات. والمسك الأبيض وخشب الكشمير تفسيران مختلفان لمثل هذه الأكوردات.

لماذا لا يشم بعض الناس أنواعاً معينة من المسك؟

المسك من أكثر الروائح تفاوتاً بين شخص وآخر. فقد أظهرت دراسة عائلية نشرها ويسل-بيوكي وأمور في مجلة Nature عام 1973 أن العجز عن شم البنتاديكالاكتون، وهو مسك كبير الحلقات، يُورث في العائلات كما تُورث الصفة المتنحية. ويسمى العجز عن شم مادة بعينها «فقد الشم النوعي»، وهو لا يعني أن حاسة الشم عند الشخص ضعيفة عموماً.

وفي السنوات الأخيرة اتضح الأساس البيولوجي لهذا الفرق. فقد أظهرت دراسة نشرها كيئيتشي يوشيكاوا وزملاؤه في مجلة Current Biology عام 2022 أن مستقبل الشم البشري OR5A2 يستجيب لأربعة أصناف مختلفة من المسك. وكان قد حُدد قبل ذلك أن المستقبل OR5AN1 يستجيب للموسكون. ثم أفادت دراسات وراثية لاحقة بأن بعض متغيرات هذه المستقبلات تخفض الحساسية لأنواع معينة من المسك خفضاً واضحاً، وبأن متغيرات المستقبل OR4D6 تقلل الشدة المدركة للغالاكسوليد. ويبيّن الرسم أدناه أي عائلة من المسك رُبطت بأي مستقبل.

ولهذه النتائج أثر عملي. فإذا بدا لك عطر مسكي شبه عديم الرائحة فقد لا يعني ذلك أن العطر «انتهى»؛ فربما يشمه من حولك بوضوح. كما أن ضعف إدراكك لعائلة واحدة من المسك لا يعني أنك لن تشم العائلات الأخرى. وقد يُحدث اعتياد الأنف على الرائحة أثراً مشابهاً، وتجد هذا التمييز في مقالة لماذا لا أشم عطري؟.

عائلات المسك ومستقبلات الشم

أي مسك يقابل أي مستقبل؟

اختر عائلة من المسك لترى أمثلة جزيئاتها ومستقبلات الشم البشرية التي رُبطت بها في الدراسات المخبرية.

عائلة المسكمستقبل الشم البشري
  1. كيتون كبير الحلقاتالموسكون
  2. لاكتون كبير الحلقاتالأمبريتوليد · الإكسالتوليد
  3. متعدد الحلقاتالغالاكسوليد · التوناليد
  4. نيترومسك الكيتون
  5. أليسيكليالهلفيتوليد
  1. OR5AN1
  2. OR5A2
  3. OR1A1
  4. OR4D6
الخط المتقطع: ارتباط بمتغير وراثي
عائلة المسك ← المستقبل المرتبط بها
هذه العائلةOR5AN1 في المقدمة

الموسكون، جزيء رائحة المسك الطبيعي، من هذه العائلة. وفي عام 2014 حُدد OR5AN1 مستقبلاً بشرياً يستجيب للموسكون، وأفادت مراجعة نُشرت عام 2024 بأنه المستقبل الغالب لهذا الصنف.

اعرض كل الروابط في جدول
عائلة المسكمستقبل الشم البشري
كيتون كبير الحلقات (الموسكون)OR5AN1
لاكتون كبير الحلقات (الأمبريتوليد · الإكسالتوليد)OR5A2
متعدد الحلقات (الغالاكسوليد · التوناليد)OR5A2, OR4D6*
نيترو (مسك الكيتون)OR5AN1, OR1A1
أليسيكلي (الهلفيتوليد)OR5A2

* ارتباط بمتغير وراثي

تقوم هذه الروابط على تجارب خلوية ودراسات وراثية، ولا يحدد مستقبل واحد وحده كيف يدرك الشخص المسك.

ماذا يعني اسما المسك الأسود والمسك الأبيض؟

المنتجات التي تُباع باسم «المسك الأسود» أو «المسك الأبيض»، ولا سيما في دول الخليج وتركيا، تصف في الغالب أسلوباً عطرياً لا مادة خاماً بعينها. ولا يوجد معيار مشترك يحدد ما تحتويه هذه الأسماء؛ فقد يصف الاسم نفسه لدى منتجين مختلفين مزيجاً راتنجياً أو خشبياً أو زهرياً أو نظيفاً. ولا يمكنك أن تعرف من الاسم وحده إن كان المنتج يحتوي فعلاً على مسك حيواني. ومع قيود التجارة الدولية وارتفاع الكلفة، فمن الأقرب إلى الواقع افتراض أن معظم هذه المنتجات مبني على جزيئات المسك الصناعية.

والحذر نفسه ينطبق على عبارات مثل «مسك الغزال» أو «المسك الطبيعي». فتجارة المسك الحيواني الحقيقي تخضع لتصاريح اتفاقية سايتس، وكلمة على الملصق لا تثبت وجود هذا التصريح. أما من حيث الرائحة فالمهم هو الوجه الذي يحمله المنتج من المسك: نظيف قطني، أم بودري، أم دافئ حيواني الطابع؟

كيف تجرب نوتة المسك؟

أفضل موضع للحكم على المسك هو الجلد، لأن أثره يظهر غالباً من قرب ومع مرور الوقت. ضع العطر على موضع نظيف وسليم، ولا تحكم في الدقائق الأولى، ثم عد إلى الموضع بعد مدة. وإذا لم تشم شيئاً على الإطلاق فاطلب من شخص آخر أن يشمه من قرب؛ فهذه أبسط طريقة للتمييز بين فقد الشم النوعي وأثر ضعيف فعلاً.

ومن المفيد أيضاً أن تجرب عدة أساليب من المسك جنباً إلى جنب. فالمسك الذي يوحي بالغسيل النظيف، والمسك البودري، والمسك النباتي مثل الأمبريت، تشترك في كلمة واحدة لكنها تقوم على جزيئات مختلفة. وتدوين ما تشمه منها وما يختفي على جلدك دليل أوثق من الملصق في اختيارك التالي. وإن كنت تتساءل عن موضع المسك في سلسلة الإنتاج، فمقالة كيف يُصنع العطر؟ تشرح خطوة بخطوة كيف تلتقي المستخلصات الطبيعية والجزيئات الصناعية في تركيبة واحدة.